الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
نفحات القرآن
وقد جاء في تفسير « روح البيان » : « مبالغ في الصبر على المشاق فيتعب نفسه في التفكر في النفس والآفاق » « 1 » . والجميل هنا هو أنّ الهواء الذي يحيط بالكرة الأرضية من ألطف الموجودات ، وبالرغم من ذلك فهو عندما يتحرك ويتنقل فإنه لا يحرك السفن العظيمة في البحار فحسب ، بل كذلك الغيوم التي تُعَدُّ ينابيعَ للغيث ، فيأخذ بها نحو الصحارى والأراضي الميتة فيحييها ، كمابانتقال الهواء الحار إلى المناطق الباردة والهواء البارد إلى المناطق الحارة تتهيأ الأراضي الميتة للحياة ، وإضافة إلى هذا فإنّ الهواء يلقح النباتات كالزهور والأشجار ويحمل احياناً البذور فتُزرع في الأماكن التي تسقط فيها ، ألَمْ تكن هذه من آيات اللَّه ؟ ومن يمكنه استثمار هذه الآيات غير الصابرين والشاكرين ؟ وقد جاء في حديث للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : « الإيمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر » « 2 » وهذا الحديث تأكيد لما جاء في الآيات . جج وأخيراً فإنّ الآية الثالثة أشارت إلى قوم سبأ ، حيث شملهم التوفيق الإلهي فاستطاعوا أن يوجدوا سداً عظيماً بين الجبال في « اليمن » : وادخروا فيه الماء الكثير ، وتمكنوا من ايجاد بساتين كثيرة ، فغُمروا في النِعَم والفرح ، إلّاأنّهم سلكوا طريق كفران النعمة ، فتسلطت الأقوام المرفهة على الأقوام الضعيفة ظلماً وجوراً فَعَمَّ مساكنَهُم الخرابُ والدمار ، بحيث هلك الحرث والنسل لانفجار السد ، فتفككوا وتشتتوا بشكل حيث جعلهم اللَّه أحاديث للآخرين « فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ » وأهلكهم جميعاً « وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ » ، ثم أضاف القرآن : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَآياتٍ لِّكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ » . وذلك لأنّهم يستخلصون الدروس والعِبر بدقتهم وتأنيهم .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان ، ج 7 ، ص 98 . ( 2 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 7 ، ص 323 ؛ تفسير الكبير ، ج 25 ، ص 162 ؛ تفسير المراغي ، ج 21 ، ص 97 ؛ تفسيرالقرطبي ، ج 5 ، ص 3571 وتفاسير أخرى .